أكل الدهر وشرب من أعمارنا ونحن نجتهد إما باكتساب علم، أو إضافة خبرة، بل نفخر ونتشدق بما حصلنا عليه من العلم والأدب، ولكن … اكتشفنا أن ما أخذناه في عقولنا من معلومات أو نظريات ما هو إلا فقاعات هوائية، أو مواد- للأسف- لم يكتب على جوانبها «مدة الصلاحية» فعند احتياجنا لما تعلمناه من علوم أو حفظناه من أدب نكتشف أنه غير صالح اليوم للاستعمال، وكأنه يذكرك بالمثل المشهور «عش رجبا ترى عجبا» فكم شهر رجب مر علينا ونحن نردد ونصدق مقولة المتنبي «خير جليس في الزمان كتاب» والآن أبناؤنا (ونحن أيضا) نقول خير جليس في الزمان «موبايلي».
هذا الجهاز الذي حطم نظريات، وأجهز على صروح كانت تتحكم بحياتنا، وقطع أرزاق البعض، فبهذا الجهاز الصغير ننفذ أغلب المعاملات الإدارية، والمالية، سواء الحكومية أوغيرها ونحن جالسون في بيوتنا، نبيع ونشتري، وندرس ونتثقف، حتى جيوب ملابسنا خف عليها الحمل من أوراق وهويات ونقود، واختفت الشنط اليدوية، فكل ذلك محمل بالتلفون النقال.
وبالمناسبة أيضا مقولة «سافر ففي الأسفار خمس فوائد: تفرج هم، واكتساب معيشة، وعلم، وآداب، وصحبة ماجد»… استحت من الظهور فمع «بالموبايل» ليس شرطا أن تسافر، لكنك ستكسب خمسين فائدة، وأنت بمكانك.
زد على ذلك كلنا يحفظ ويردد ويستشهد بقول الشاعر أبوتمام: «السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب».
واليوم أصبح السيف فقط رمزا وشعارا، وما معركة «البيجر» الإلكترونية التي نفذها الكيان الصهيوني في حربه مع حزب الله وإيران إلا دليل على أن هذا الجهاز الإلكتروني أضاف بعدا قاتلا لمهامه، وأصبح أكثر صدقا من السيف والكتب، وجعل من«اللعب» بـ «زراير الموبايل والكمبيوتر» هما الحد بين الجد واللعب أيضا، فمن خلال كبسة زر الموبايل تنفجر القنابل والمصائب وتتبدل الحقائق.
وربما يكون قول الشاعر أحمد شوقي: «خدعوها بقولهم حسناء» أقرب للصدق في زمننا هذا، فصالونات التجميل ومواد المكياج جعلت من القرد غزالا، وفقد الجمال أوصافه، ورخصت أثمانه، فخدعونا بجمال مزيف وتزوير لا يعاقب عليه القانون.
إنه زمن عجيب، أسموه زمن الحضارة، هجرنا المصاحف وابتلينا بالهواتف، وضاعت سنوات أعمارنا بالقيل والقال، وبرامج الهاتف النقال.
ويقول قائل: ألا يوجد علم أو قول يصدق في كل زمان ومكان؟، والجواب: إنه قول الحق القرآن الكريم الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد).
[email protected]